فخر الدين الرازي

29

الأربعين في أصول الدين

والجواب عنه : انه لا يلزم من قولنا : انه لا بداية لصحة حدوث الحوادث : أن يحكم بجواز كون العالم أزليا . والدليل عليه : انا إذا أخذنا هذا الحادث المعين بشرط كونه مسبوقا بالغير . فهذا الحادث المأخوذ مع هذا الشرط ، اما أن تكون لصحة حدوثه بداية . وأما أن لا تكون لها بداية . والأول باطل ، لجميع الدلائل التي ذكرتموها . فبقى أنه لا بداية لصحة حدوث هذا الحادث المأخوذ مع هذا الشرط . ثم انا نعلم قطعا امتناع كون هذا الحادث أزليا . لأن الأزل عبارة عن عدم المسبوقية بالغير ، وهذا الحادث مأخوذ بشرط كونه مسبوقا بالغير ، والجمع بينهما محال . فثبت : أن القول بأنه لا مبدأ لصحة حدوث الحوادث ، لا يقتضي القول بجواز كون ذلك الشيء أزليا . المقدمة الثالثة في شرح مذاهب الناس في هذه المسألة : المذاهب الممكنة في هذه المسألة لا تزيد على خمسة لأنه اما أن يقال : الأجسام محدثة بذواتها وصفاتها . أو يقال : انها قديمة بذواتها وصفاتها . أو يقال : انها قديمة بذواتها محدثة بصفاتها . أو يقال إنها بصفاتها محدثة بذواتها . أو يتوقف في كل واحد من هذه الأقسام أما الاحتمال الأول : وهو القول بأن هذه الأجسام محدثة بذواتها وصفاتها . فهو قول الأكثرين من أرباب المال . وهم المسلمون ، واليهود ، والنصارى ، والمجوس . وأما الاحتمال الثاني : وهو القول بأن الأجسام قديمة بذواتها وصفاتها . فهو قول بعض الفلاسفة وتفصيل مذاهبهم : أن الأجسام الفلكية قديمة بذواتها وقديمة بصفاتها المعينة . الا حركاتها . فان كل واحدة من حركاتها مسبوقة بحركة أخرى ، لا إلى بداية . وأما الأجسام العنصرية . فان هيولاها قديمة ، وأما صورها وأعراضها فكل واحد منها